سعاد الحكيم

52

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية )

الكريم الجيلي فهو صاحب الاختصاص في تاريخ التصوف الإسلامي بهذا الموضوع . وقد أوردت عبارة « صاحب الاختصاص » معرّفة لا نكرة ، لأن موقع الجيلي فرضها ، فهو أول من تخصّص ب « الإنسان الكامل » في الحقل الصوفي . . لقد وقف كتاباته كلّها تقريبا على التعريف به ، وهذا يعني أن علومه الصوفية ومشاهداته تمحورت حول هذه المسألة . وتتلخص فكرة « الإنسان الكامل » [ - معرّفة وهي غير العبارة النكرة : إنسان كامل ] ، بأن نور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو « مظهر الإلوهية » ، و « نسخة الحق » ، هو أصل الوجود . وهو أول ما خلق اللّه عزّ وجلّ ، ومن هذا النور خلق الأكوان كلّها . . فهو الحق المخلوق به كل شيء ، وهو حقيقة كل شيء . وبعد الخلق عليه مدار العوالم كلّها من أولها إلى آخرها : في الوجود وفي المعرفة والتحقيق . . وهو واحد لا يتعدّد بذاته ولا يتكرر ، ولكن له تجليات في خلفائه من جنس الإنسان . . وقد ألف الجيلي كتابا أسماه « الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل » ، والعنوان بحد ذاته يدعو إلى التأمل ؛ فهو يقرر بأن هذا السفر يجمع معارف السابقين ويصادر معارف اللاحقين في موضوع الإنسان الكامل . وزيادة في التأكيد يقدم الجيلي في عنوانه معرفة الأواخر على معرفة الأوائل ، لا لضرورة السجع فقط . إذن ، بحسب رأي الجيلي ، كل ما يريد أن يعرفه الطالب في موضوع الإنسان الكامل فهو مجموع في هذا الكتاب ، ولن يأتي اللاحقون بجديد مفقود في هذا الكتاب . وأفرد الجيلي في كتابه هذا بابا اعتبره عمدة أبواب الكتاب ، بل الكتاب من أوله إلى آخره شرح لهذا الباب ، وهو الباب الموفى ستون [ حوالي 4 صفحات فقط ] ، تكلّم فيه بأسلوب مباشر وبإيجاز شديد على الإنسان الكامل ، وأنه بالاتفاق هو محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ويخبرنا عن حقيقته ، فيقول : « إن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود ، من أوله إلى آخره ، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الأبدين ؛ ثم له تنوّع في ملابس ويظهر في كنائس ، فيسمى به باعتبار لباس ولا يسمى به باعتبار لباس آخر . فأسمه الأصلي الذي هو له محمد ، وكنيته أبو القاسم ، ووصفه عبد اللّه ، ولقبه شمس الدين » .